دماء على الكمان

الفصل الأول:نغمة أولى

كان الهواء مشبعًا بالبرد و الرطوبة، كأن المدينة نسيت نفسها على قارعة الخريف.الرصيف متآكل، والشارع مكسور كأن أحدهم لكمه قبل ساعات، و في زاوية بين محل مغلق وحاوية صدئة… وقف هو.أحمد.

لا أحد يعرف اسمه.يظنونه شحاذًا، أو مشردًا، أو ظلًا لشيء لم يكتمل.لكنهم كلهم يعرفون نغمته.النغمة التي تنفجر بعدها المصائب.أخرج كمانه من الجراب الجلديِّ البالي، مسح عليه بكم قميصه القديم، ونفخ فيه بخفة كأنما يوقظ ميتًا.ثم بدأ العزف.كانت النغمة الأولى ناعمة… ناعمة لدرجة خادعة.تسري في العظام كإرتجافةِ برد، ثم تتكثف في الصدر كغصة لا تريد أن تخرج.دو.. لا.. مي.. فا.. لا… ثم شيء ما انكسر.لم يكن في اللحن بل في السماء.

صراخ طفل سقط من شرفة الطابق الثالث.ارتطم جسده بالإسفلت وكأن الموت أُجبر على الحضور.الناس تجمّعوا، صرخوا، هرعوا…لكن عيونهم كلها واحدة عندما التفتوا نحو زاوية الرصيفنحو أحمد.كان لا يزال يعزف.وجهه جامد كالجليد.لكن أطراف أصابعه كانت ترجف، و العينين فيهما دمعة لم تسقط… فقط تجمّدت.وكأنه سمع خبرًا قديمًا، يُعاد عليه الآن للمرة المئة.صرخت امرأة:هوا!! هذا الولد المنحوس! كل مرة يعزف يحدث شيء مشؤوم!!!!!.

وصرخ آخر:هذا شيطان! يستدعي النحس بالموسيقى خاصته.اقتربت خطوات، شتمٌ، ودفش، وإهانة.لكن أحمد لم يتحرك.لم يغلق الكمان.لم يهرب.هو لم يسقط الطفل.هو فقط… عزف.لمّا هدأت الجلبة، جلس وحده على حافة الرصيف، وهمس للكمان:ليش كل مرة؟…شو سرك؟ لكن الكمان، كعادته، لم يجب.فقط أصدر نغمة خفيفة، نغمة بلا أمر.نغمة كأنها بكاء بعيد.

الفصل الثاني:

همسات الحيّفي زقاق ضيق، حيث تلتف الجدران كأنها تحرس أسرار المدينة، جلست روح على درجات سلم بناية مهجورة.كانت عيناها تلمعان بفضول لا يُروى، وقلبها ينبض بإيقاع الموسيقى الذي لم تستطع تفسيره.سمعت صوت الكمان قبل أن تراه، كأن المدينة نفسها تتنفس معه.اقتربت بحذر، حتى رأت أحمد، واقفًا في الزاوية ذاتها التي ترك فيها الليل أثاره.كانت أنفاسه متسارعة قليلًا، لكنه لم يلتفت إليها.روح همست:لماذا تعزف هنا؟لم يجب.خطت خطوة نحو الصوت، صوت نغمة حزينة عميقة، وكأنها تنادي من مكان بعيد..نظرت إليه مباشرة، وعيناها تبحثان عن شيء خلف صمت ذلك الشاب.بعد لحظة، قال بصوت منخفض كأنه يخاف أن يبوح:هذه ليست موسيقاي… هذه قصة لي.روح بحذر:قصة؟ هل تتحدث عن اللحن؟؟أحمد رفع يده وأشار للكمان،هذه الآلة ليست مجرد آلة… كل نغمة تعزفها تستدعي ذكرى… ألم… دماء… وأسرار دفنت هنا منذ زمن بعيد.تبادلنا الاثنان نظرات مُلؤها تساؤل، وكأنهما يعرفان أن اللقاء لن يكون عابرًا.في تلك اللحظة، كان في عيني أحمد ينبئ بأنه يحمل عبء أكبر مما يبدوا.عبء موسيقى قاتلة وذكرى لن تسمح له بالهرب منها أبدًا.

الفصل الثالث:

الكمان الذي جاء مع الدمكان المطر ينقر على سقف الميتم مثل أصابع غريبة تقرع بلطف لا يشبه الحنان.كان أحمد في التاسعة من عمره، نحيلًا لدرجة أن الريح قادرة على زحزحته لو أرادت، وصامتًا كأن لسانه خاف من العالم و اختبأ إلى الأبد.في الليلة التي تغيّر فيها كل شيء،دخل رجل غريب إلى باحة الميتم.وجهه مغطّى بقبعة، وصوته مشوّش، وعيناه لن تُرَ.أعطى المشرفة صندوقًا خشبيًا، دون أن يتكلم، وقال فقط جملة واحدة:هذا… له.سيمشي فيه الصوت عندما لا يجد الكلام.ثم اختفى.الصندوق كان جافًا رغم المطر.وحين فتحوه، وجدوا كماناً بلون النبيذ الغامق، بدا قديماً…

لكنه لا يُشبه أي آلة رأوها من قبل.على جانبه، كانت هناك علامة محفورة:”Mi – Sangre”(“دمي” بالإسبانية)في البداية، رفض أحمد لمسه.كان ينظر إليه بخوف يشبه احترامًا غريبًا.لكنه تلك الليلة… سمعه.لم يكن جنونًا… هو متأكد.كان الكمان يهمس.بصوت امرأة… تبكي… وتنادي اسمه.ومنذ أن وضع أصابعه الصغيرة عليه، خرجت أول نغمة.لا لحن، لا إيقاع… فقط صوت جرح.والمفاجأة… في اليوم التالي،استيقظ الميتم على خبر مأساوي:المشرفة التي استلمت الكمان… ماتت في نومها.نزيف داخلي حاد.بدون سبب طبي.ومن يومها، لُقّب جاسر بين الأطفال بـ “الولد اللي جلب الآلة الملعونة”.

وبينما كانوا يبتعدون عنه،كان هو يقترب أكثر…من الكمان،ومن صوته،ومن الحقيقة التي لم يكن يعرفها بعد: أن الآلة لم تختره صدفة.وأن دمه… فيه صدى قديم.الفصل الرابع: اللحن الذي يشير إلى القبرفي مساء باهت، كانت روح جالسة في غرفتها، والسماء تتنفس فوق المدينة بأنينٍ ثقيل.سجلت عزف أحمد على هاتفها، وأعادته للمرة السابعة والعشرين.لم يكن لحنًا عاديًا.لم يكن حتى موسيقى.كان مثل صوت أحدٍ يُدفن حيًّا.أخذت تفرّغ النغمات نغمةً نغمة،دو… مي… لا… فا… لا… مي… ري… ري…شيء في التكرار كان يُشبه كلمات محذوفة من رسالة.فتحت محرك البحث.بحثت عن “أحداث غريبة – موسيقى – موت”.ثم أضافت: “حادثة – شارع 17 – عزف”.ظهرت مقالة قديمة، تعود لعام 1999.

جريمة مروّعة:”انتحار امرأة في شارع 17 بعد سماع موسيقى غامضة في الحي”الصورة المرفقة للمقالة… جعلت الدم يتجمّد في عروقها.المرأة في الصورة… كانت هي.هي التي رآها أحمد في حلمه…سيدة الكمان.عيناها نصف مغلقتين، وشعرها مبلول، لكن الملامح لا تُنسى.كانت تقف في الخلف، بعيدة، في الظل… تنظر نحو الكاميرا وكأنها تعرف أن أحدًا سيكتشفها يومًا.في اليوم التالي، واجهت روح أحمد.أرته الصورة.هو لم يتكلم.نظر فقط.ثم قال: “هي أول من عزف اللحن… قبل أن يموت من حولها.””أنت تعرفها؟” همست روح. “لا.لكنها… كانت تزورني في المنام، قبل ما أسمع اللحن للمرة الأولى.

” “وماذا تقول؟” “كانت تبكي…وتكرر نفس الكلمة:”رجّع الصوت لمكانه.”روح شعرت بقشعريرة تسري في عمودها الفقري.الهواء في الغرفة صار أثقل.أحمد بدأ يعزف لحنًا جديدًا…لحنًا لم يعزفه من قبل.لحنًا لا يعرفه.لكن في آخر نغمة… سُمِعَت ضحكة خافتة في الغرفة.لم يكن أحدٌ يضحك.الفصل الخامس: قبل أن تصمت الموسيقى1999، شارع 17.كانت ليلى تعيش وحدها في شقة صغيرة فوق مكتبة قديمة، لا يزورها إلا الغبار.كانت معلّمة موسيقى سابقة،عزفت في المسارح، في المهرجانات، في حفلات الزفاف…لكن مذ توفي ابنها الوحيد،سكت الكمان.لم تلمسه منذ عامين.في الليلة التي عاد فيها الصوت،كانت هناك طرقة على الباب.

لا أحد في الممر.فقط صندوق خشبي قديم، عليه شريط أحمر باهت.فتحته…ووجد كمانها القديم.الكمان الذي دُفن مع ابنها.كان مشروخًا من الجانب،لكن الوتر لم يُمس.ارتجف صوتها وهي تهمس:”مستحيل… أنا دفنتك مع إياد… مستحيـ…”لكن شيئًا ما جذبها.لم تكن هي التي رفعت الكمان،ولا هي من جهّز القوس.كانت يدها تتحرك وحدها.بدأت تعزف…وبكت.اللحن لم يكن من ذاكرتها.

كان من ذاكرة الكمان نفسه.دو… لا… مي… ري… ري… فا…وفجأة، تغير الهواء.الجدران انكمشت،اللمبة خفّ ضوءها،وصوت ضحكة صغيرة ملأ الغرفة…ضحكة إياد.انهارت ليلى.سقطت على الأرض، احتضنت الكمان كأنه طفلها، وبدأت تصرخ: “رجّعولي ابني!! خذوا اللحن!! خذوا الصوت!!”في تلك الليلة…قفزت من نافذتها.لم تترك رسالة.لكن جارتها، التي كانت تسمع الصراخ، دخلت الغرفة ووجدت شيئًا واحدًا على الطاولة:ورقة موسيقية مكتوب فيها بخط يدٍ مرتبك:”رجّع الصوت لمكانه.”في نفس الليلة…رجل غامض يرتدي معطفًا أسودًا حمل الكمان،وغادر به إلى وجهة مجهولة.بعد عام…كان الكمان بين يدي طفل في ميتم.

اسمه أحمد.الفصل السادس: الرجل الذي لا يعزفكانت روح تنتظر على الرصيف المهجور قرب ممر القطار.الليل ثقيل، والمدينة نائمة بنصف عين.أحمد لم يأتِ بعد،لكن شخصًا آخر جاء.لم تسمع خطواته.فقط شعرت بالبرد قبله.رجل طويل، معطفه أسود، قبعته تغطي نصف وجهه،وصوته… مثل آلة مكسورة تحاول الغناء.قال دون أن يعرّف عن نفسه: “أنتِ تبحثين عن صوت… لا يجب أن يُسمع.”روح تراجعت خطوة، قلبها تسارع فجأة. “من أنت؟ كيف تعرف عني؟”رفع ببطء شيئًا من داخل معطفه…ورقة موسيقية قديمة، من النوع الذي يصفر لونه مع الوقت،مكتوب عليها نفس اللحن الذي سجّلته من عزف أحمد،لكن هناك نغمة إضافية… لم تعزف بعد.قال الرجل: “إن عزف كلّ اللحن… لن تبقى المدينة.”روح همست: “ليش؟ شو يعني؟”اقترب.

عيناه ظهرت للحظة، رماديتان كرماد الذاكرة. “في الماضي، عزفت امرأة هذا اللحن أمام جمهور.مات اثنان، وصرخ سبعة، ونسيت أمٌ وجه ابنها.الكمان لا يُصدر موسيقى…بل يستحضر ذاكرة الألم.ذاكرة القتل.” “بس ليه أحمد؟ ليه الكمان اختاره هو؟”هزّ رأسه ببطء.”لأنه وُلد في المكان الذي فيه دُفنت سيدة الكمان.”

“… بس هي ماتت في شقتها؟

“ابتسم الرجل للمرة الأولى.ابتسامة مثل جرح. “لا، روح.جسدها هو الذي سقط من النافذة.لكن صوتها…دُفن تحت بيت الطفل الذي لم يُولد بعد.”ارتعشت روح.في اللحظة التالية…اختفى الرجل، وكأنّه لم يكن أبدًا.ووصل أحمد، يركض نحوها، مرتبكًا: “سمعت صوتها… الليلة.” “مين؟” قالت بلهفة. “هي.سيدة الكمان.بس هذه المرة، كانت تقول كلمة جديدة…””شو؟”توقّف، ووجهه شاحب كأنه مات لثوانٍ: “لا تعزف النهاية.”الفصل السابع: الكمان الذي يعزف وحدهلم تكن الليلة عادية.حتى القمر بدا وكأنّه يتوارى خلف الغيوم خوفًا مما سيسمع.أحمد لم ينوِ العزف.كان فقط يحمل الكمان بين يديه،بينما تمشي روح بجانبه بصمتٍ ثقيل،كأنّهما يحملان تابوتًا وليس آلة موسيقية.وصلا إلى مكان مهجور،بيت قديم متهدم في حارة منسية،دلّتهم عليه صفحة ممزقة من دفتر “ليلى”.قالت روح، بصوت منخفض: “هون… كانت تكتب نغماتها الأخيرة.كان صوتها يُحبس هون.”أحمد جلس على الأرض،وضع الكمان إلى جانبه…ولأول مرة، لم يلمسه.لكنه…بدأ يعزف.من تلقاء نفسه.

القوس تحرك وحده.النغمة خرجت… مترددة… ترتجف…دو… مي… ري… فا… ري… لا…ثم نغمة… لم يسمعوها من قبل.النغمة الأخيرة.الأرض اهتزت قليلاً.

الهواء صار أثقل.وصوت بكاء امرأة ملأ المكان…لكن لم يكن بكاءً فقط.كان صراخًا.روح صرخت: “وقّف!! أحمد!! لا تكمل!!”أحمد حاول يمسك بالكمان…لكنه كان ساخنًا.نابضًا.عيونه بدأت ترى مشهدًا لم يكن موجودًا.امرأة تركض،أحدهم يطاردها،كمان بيدها،وطفل صغير في ذراعيها،وصرخة…ثم نافذة…ثم سقوط.

مد وقع على الأرض.الدم خرج من أنفه.وروح أمسكت بالكمان، وحاولت أن ترميه…لكن يدها تجمّدت.الصوت… تمسك بها.ثم…سكون.الكمان سكت فجأة.وجاسر همس، من بين أنفاسه المقطوعة: “أنا شفتها… بس المرة هاي، كانت تنظر لي، مو للكاميرا.وكانت تبتسم.”الفصل الثامن: رؤية من دملم يكن نائمًا، ولا مستيقظًا تمامًا.أحمد جلس قرب الكمان المغطّى، وعيناه نصف مغمضتين،لكن عقله كان مفتوحًا على اتساعه.بدأ كل شيء عندما لمس أوتار الكمان،بمجرد لمسة خفيفة…خرج الصوت وحده.لا… ري… دو… مي… لا…ثم…العالم انقلب.رأى نفسه في مرآة، لكن ليس كما هو.كان أصغر.عمره خمس سنوات ربما.يجلس على أرضية رطبة، وحوله أوراق موسيقية ممزقة.كانت هناك امرأة في الغرفة،ليلى.كانت تبكي… تختبئ.وفي الزاوية الأخرى،رجل…وجهه مغطّى بنصف ظل.صوته منخفض لكنه مرّ.

“قلنا إنك ما تعزفيها.ليش عزفتيها، ليلى؟!”هي ارتجفت، أمسكت الكمان كأنه ابنها،وهمست: “هي مو موسيقى… هي ذاكرة.وإنت ما عندك قلب تسمعها.”الرجل اقترب…انتزع الكمان من يدها.”إذا ما كنتي رح تسكتي… أنا رح أسكتك.”ثمَ…صرخة.صفعة.نافذة مفتوحة.ودم على الوتر الأخير.أحمد صرخ من الرؤية.استيقظ ويداه ترتجفان، وصدره يعلو ويهبط كأنه غارق.روح كانت بقربه، شهقت: “شو صار؟ شو شفت؟!”همس بصوت مبحوح: “هو ما قتلها بلحظة…هو خنق صوتها ببطء.” “مين؟!” قالت، وجهها شاحب.أحمد أغلق عينيه…”أنا بعرف الوجه…بعرفه من الميتم.كان بيزور المدير كل فترة.كانوا ينادوه… الأستاذ يحيى.”الفصل التاسع: الوتر الناقصالشارع ضيق.الحي شبه مهجور.والزمن… واقف.وقف أحمد أمام بابٍ قديم بلون صدئ،نفس الباب اللي كان يراه في أحلامه منذ الطفولة.

باب مكتب مدير الميتم.لكن اللي فتح ما كان المدير.كان هو.يحيى.شخص لا يشبه القتلة كما تخيّلتهم روح —كان أنيقًا، هادئ الملامح، يحمل كتابًا في يده وكأنّه كان يقرأ في رواية رومانسية لا علاقة لها بالموت.رفع حاجبه وقال بابتسامة شبه دافئة: “أحمد؟ما توقعت ترجع.”جلس الثلاثة في الغرفة.أحمد لم يتكلم.روح كانت تراقب كل حركة.

يحيى بدأ: “بتدوروا على ليلى، مش هيك؟بس هي ماتت.وإنت… أخذت صوتها.فشو بدكوا مني؟”أحمد رفع عينه ببطء: “ليش قتلتها؟”ضحك يحيى.ضحكته كانت… باردة.

“قتلتها؟أنا ما قتلت ليلى.هي قتلت نفسها لما فكرت إن الصوت ملك إلها.” “بس إنت دفعت الكمان لحضني.””إنت نشرت اللعنة.”يحيى وقف، صوته بدأ يتغيّر. “لأن الموسيقى لازم تنتقل.الكمان لازم ينزف لآخر نغمة.بس…”سكت لحظة. “في نغمة ما عزفتها بعد، صح؟الوتر الناقص.اللي ما انكتب.لأن ليلى ماتت قبل ما تكمله.”روح تساءلت بصوت مرتجف:”وإذا انعزف؟ شو بصير؟”اقترب يحيى منها…نظر في عينيها: “إذا انعزف، بيرجع الصوت لأصله.وبيظهر كل شي…مين قتل مين.ومين دفن مين.”يحيى التفت نحو أحمد وقال: “بس النغمة الأخيرة، ما بيعزفها إلا اللي نزف منه الصوت.وإنت…نزفت كفاية، صح؟”في تلك اللحظة،الكمان الموجود في حقيبة أحمد…اهتز.بلا لمس.بلا ريح.كأنّه سمع اسمه.

الفصل العاشر:

من يعزف النهاية؟

بعد اللقاء مع يحيى،أحمد ما عاد يحكي كتير.وجهه صار شاحب أكتر،وصوته… مختفٍ إلا في أحلامه.

أما روح؟كانت تمسك الورقة الموسيقية اللي أخرجها يحيى فجأة من درج مكتبه،عليها خطوط غير مكتملة،نغمة أخيرة بدون نهايات.اسم القطعة مكتوب بخط يدٍ عشوائي:> “El Fin del Silencio”(نهاية الصمت)—في الليلة التالية، جلست روح قرب نافذة بيتها،والكمان في حجرها…يرتجف.كانت ناوية تعزف النغمة.تحس إن أحمد ما رح يتحمّلها.بس أول ما وضعت القوس على الوتر،سُمع صوت من الخلف: “لا.”كان أحمد واقف.

عينيه فيها شيء جديد.خوف؟ لا.شيء أعمق. “أنا رح أعزفها.إذا في شي لازم ينكشف… بدي أنا أفتحه.”—وقف وحده في منتصف الغرفة،الكمان بين يديه،وحوله صمت… صمت كثيف وكأنه ينتظر موسيقى النهاية.و… بدأ.لا… مي… ري… فا… لا… مي… دو… لا…ثم…النغمة الأخيرة.—البيت كله ارتجّ.الضوء انطفأ فجأة.والجدران بدأت تُصدر صوت نحيب،وكأن الأرواح نفسها تصرخ.في طرف الغرفة…ظهرت هي.ليلى.واقفة.ثوبها ممزق.

وشعرها مبلول بدم.نظرت إلى أحمد،اقتربت،ووضعت يدها على قلبه. “رجّعت الصوت…بس مش كل صوت لازم ينسمع.”ثم همست:”هو مو اللي قتلني…هو اللي كتم الحقيقة…القاتل… كان أنت.”أحمد شهق.روح صرخت.”شو؟ شو يعني؟!”أحمد سقط على ركبتيه،وجهه مبلول دموعًا.”أنا… لما كنت صغير…أنا اللي…”لكن الكلمات ما اكتملت.الصوت اختفى.والكمان…انكسر.الفصل الحادي عشر: صمت الكمانكان الكمان مكسورًا.لكن الصوت لم ينكسر.

روح جلست على الأرض،أحمد جالس بجانبها، صامت تمامًا.عيناه زجاجيتان… وكأن روحه ذابت من الداخل.”شو قصدك، أحمد؟شو كنت رح تقول؟”لكن هو لم يجب.كان يسمع فقط.يسمع صوتًا بعيدًا…همهمة أمّه.رجع بذاكرته.كان صغيرًا.ليلى تحضنه وتهمس له بلحن الكمان في أذنه.وكان يبكي.

وفي يوم،دخل يحيى،

صرخ عليها،هددها.وكان أحمد…خايف.فعل شيئًا صغيرًا… لكنه كان كافيًا:فتح النافذة.ظنّ أن أمه ستهرب منه… لكنها سقطت.هو ما دفعها.لكنه فتح الطريق.وكان ذلك يكفي. “أنا اللي خذلتها.”همس أخيرًا.”أنا كنت صغير… بس خنت صوتها.”روح اقتربت، وضعت يدها على كتفه:”الصوت مو لعنة، أحمد… هو طلب للمغفرة.”ثم، بينما الليل يطوي المدينة،قالت روح جملة أخيرة: “لازم نرجع الصوت لمكانه.”الفصل الثاني عشر: الصوت عاد إلى مكانهفي تلة خارج المدينة،مكان مهجور، كانت هناك بقايا بيت قديم…تحت أساساته،وجدوا حفرة ضحلة.أحمد عرفها فورًا.هذا المكان… كان هو.روح أمسكت ببقايا الكمان.لفّته بقطعة قماش قديمة،ووضعته في الحفرة.”ليلى…رجعنا صوتك.

“أحمد نزل على ركبتيه،وهمس للنغمات التي سكنت فيه طول حياته: “أنا آسف.”حين دُفن الكمان،سكنت الأرض.الهواء تغيّر.صوت غير مرئي…تنفّس أخير.وفي اليوم التالي،أحمد فقد صوته.لم يعد يتكلم.لكن… كان يبتسم.كل يوم، يجلس أمام البحر،يرسم نغمات لا تُعزف،بل تُقرأ.أما روح،فكتبت القصة.عنوانها: “دماء على الكمان.”آخر سطر في كتابها قال: “بعض الأصوات لا تأتي من الحنجرة… بل من الجرح.”

𝓡𝓮𝓮𝓶𝓪☆

a.alasba7@gmail.com

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *