بلا عنوان

في أحد أركان البلدة القديمة، حيث تتقاطع الأزقة الضيقة كأنها عروق مدينة ماتت منذ زمن، وُضع بيانو وحيد في ساحة منسية

. لا أحد يقترب منه، لا أحد يجرؤ حتى على النظر إليه طويلاً. خشبه تشقق من البرد، ومفاتيحه فقدت بياضها منذ سنين، لكن رائحته ما زالت تحمل شيئًا… شيئًا يشبه الحزن.

قبل عشرين عامًا، كان سالم العجوز يجلس هناك كل مساء، يعزف للريح، للأطفال ، ولذكريات لا تعود. لم يكن يملك عائلة، ولا بيتًا، لكنه كان يملك البيانو، وصوتًا يعرف كيف يلامس القلب.

في أحد المساءات، عزف نغمة لم يسمعها أحد من قبل. بدت غريبة… جميلة ومخيفة في آنٍ معًا. وما إن انتهى منها، حتى اهتزت الأرض تحت البلدة، احترقت المنازل، جنّ الناس، وتحوّلت المدينة إلى خراب في ساعات.قالوا إن سالم فتح باب الشيطان بنغمته. قبضوا عليه، وأحرقوا البيانو… أو ظنوا أنهم فعلوا.

لكنه بقي، كما بقيت التهمة على كتفي رجل بريء. لم يُدافع عن نفسه. فقط قال: “أنا لم أكن وحدي تلك الليلة… كنت أعزف له.” ثم سكت. ومنذ ذلك اليوم، لم يلمس أحد البيانو، ولم ينسَ أحد اسمه.في ليلة ممطرة، بعد سنوات من الصمت، اقترب صبي صغير من الساحة.

لم يكن أحد يعرفه. جلس على المقعد الخشبي المتهالك، ومسح الغبار عن المفاتيح. وضع يده الصغيرة، وضغط أول نغمة.

فاشتعلت الساحة بضوء غريب.ظهر أمامه رجل شاب، بملامح لا تنتمي لهذا العالم. عيناه واسعتان، وصوته ناعم كالماء.قال: “كنتُ أرافقه كل ليلة… أطلب منه يعزف لي، لأن صوته كان يمنحني الأمل.”

سأل الصبي: “من أنت؟”أجاب: “أنا لست إنسانًا. أنا جني، كنت مسجونًا في هذه الأرض. وذات مساء، أخطأ سالم ولعب النغمة التي كنا نبحث عنها. النغمة التي تحررني… لكنها كانت ملعونة. لم يكن يعرف، ولم أكن أعلم أن الملك، ملك عالمي، قد خبأ لعنة في تلك النغمة.” وجلس الجني على طرف البيانو، ثم تنهد وقال “أنا السبب في كل ما حدث، لا سالم.

لكنه مات دون أن يسمعه أحد… لأن الناس لا تسمع الحقيقة، بل فقط ما يُقال .”سكت الصبي، ثم عزف النغمة من جديد.هذه المرة، لم تشتعل الأرض، بل انتشر دفء غريب في الساحة. وتلاشى الجني في الضوء.وفي الجدار خلف البيانو، ظهر ظل العجوز سالم، يبتسم لأول مرة منذ موته.

في الصباح، لم يكن هناك بيانو، ولا أثر للصبي، ولا ظل على الجدار.لكن كل من مرّ بالساحة شعر بشيء داخله يهتز. شيء يشبه الذكرى… أو الغفران.

أنت الآن قرأت القصة كاملة. لا تحمل اسمًا، ولا عنوانًا، تمامًا كما عاش سالم، وكما رحل.لكن ربما… أنت من يمكنه أن يُنصفه باسم

فما هو العنوان الذي تقترحه لهذه القصة؟

LAYAL 7☆7

a.alasba7@gmail.com

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *