حِينَ يُضِيءُ القَمَرُ🌚✨️

كَانَتْ شَمْسُ المَغِيبِ تَتَوَارَى خَلْفَ أَسْوَارِ القُدْسِ العَتِيقَةِ، تَرْسُمُ بِأَشِعَّتِهَا الأَخِيرَةِ خُيُوطًا ذَهَبِيَّةً تُلَامِسُ قُبَّةَ الصَّخْرَةِ، فَتَزْدَادُ بَرِيقًا كَأَنَّهَا تُشِعُّ نُورًا مِنْ نَفْسِهَا.
فِي الأَزِقَّةِ الضَّيِّقَةِ المُتَعَرِّجَةِ، كَانَتِ الفَوَانِيسُ المُلَوَّنَةُ تَتَأَرْجَحُ بِضَوْئِهَا الخَافِتِ، تَتَدَلَّى مِنَ الشُّرَفَاتِ العَتِيقَةِ، تُشَارِكُ القَمَرَ فِي نَشْرِ نُورِهِ. أَصْوَاتُ البَاعَةِ كَانَتْ تَخْتَلِطُ بِضَحِكَاتِ الأَطْفَالِ الَّذِينَ يَتَسَابَقُونَ فِي الأَزِقَّةِ، يَحْمِلُونَ فَوَانِيسَهُمُ الصَّغِيرَةَ وَيُرَدِّدُونَ أَهَازِيجَ رَمَضَانَ، بَيْنَمَا تَتَسَلَّلُ رَوَائِحُ الطَّعَامِ الشَّهِيَّةِ مِنْ نَوَافِذِ البُيُوتِ، تَعْبَقُ بِأَجْوَاءِ المَدِينَةِ العَتِيقَةِ.
فِي مَنْزِلٍ صَغِيرٍ يُطِلُّ عَلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى، وَقَفَ “آدَمُ”، الفَتَى المَقْدِسِيُّ ذُو الاثْنَي عَشَرَ عَامًا، عِنْدَ النَّافِذَةِ، يَتَأَمَّلُ المَشْهَدَ السَّاحِرَ. أَحَبَّ رَمَضَانَ، لَيْسَ فَقَطْ لأَنَّهُ شَهْرُ الصِّيَامِ وَالعِبَادَةِ، وَلَكِنْ لأَنَّهُ كَانَ يُبْعَثُ الحَيَاةَ فِي المَدِينَةِ، كَأَنَّ القُدْسَ نَفْسَهَا كَانَتْ تَنْتَظِرُ هَذَا الشَّهْرَ لِتَسْتَعِيدَ بَرِيقَهَا وَأَصَالَتَهَا. كَانَ الأَذَانُ يَصْدَحُ فِي الأُفُقِ، صَوْتٌ يَمْلَأُ الفَضَاءَ بِالرَّهْبَةِ وَالسَّكِينَةِ، وَكَأَنَّ كُلَّ ذَرَّةٍ فِي المَدِينَةِ تَنْحَنِي احْتِرَامًا لِقُدْسِيَّتِهَا.قَالَ جَدُّهُ وَهُوَ يَرْفَعُ بَصَرَهُ نَحْوَ القَمَرِ الَّذِي بَدَا كَأَنَّهُ تَاجٌ يُتَوِّجُ السَّمَاءَ:”إِذَا مَرَحَ القَمَرُ فَوْقَ الوَجْهِ،مِثْلَ اللُّؤْلُؤِ فِي البَحْرِ يَسْتَجْلِي.مَسْجِدُنَا بَيْنَ الأَيَادِي كَالنَّجْمِ،يَسْتَشْرِقُ النُّورَ فِي حُسْنٍ سِرْجِي.”ابْتَسَمَ آدَمُ وَهُوَ يَشْعُرُ بِفَخْرٍ عَارِمٍ، فَهُنَا فِي القُدْسِ، كُلُّ شَيْءٍ يَتَحَدَّثُ عَنِ التَّارِيخِ، حَتَّى الأَحْجَارُ تَحْمِلُ ذِكْرَى الأَجْيَالِ.عِنْدَ سَاعَةِ الإِفْطَارِ، اجْتَمَعَتِ العَائِلَةُ حَوْلَ مَائِدَةٍ تَزْهُو بِأَطْيَبِ الأَطْعِمَةِ. كَانَتْ وَالِدَتُهُ تَرْتِّبُ الطَّعَامَ بِحُبٍّ، وَتَقُولُ بِصَوْتٍ دَافِئٍ: “فِي كُلِّ لُقْمَةٍ نَحْمَدُ اللهَ، وَنَشْعُرُ بِنِعْمَتِهِ تَتَجَلَّى فِي كُلِّ رُكْنٍ مِنْ هَذِهِ المَدِينَةِ المُبَارَكَةِ.
“قَالَ وَالِدُهُ وَهُوَ يَنْظُرُ نَحْوَ المَسْجِدِ الأَقْصَى:”فِي قَلْبِهِ جَذْرُ الإِيمَانِ يَحْتَسِي،رُوحُهُ تَسْتَنِيرُ بِمُشْرِقَاتِ اليَقِينِ.يَعْبُقُ عِطْرُهُ فِي زَوَايَا الزَّمَانِ،وَيَسْتَمِرُّ بَصَرُهُ فِي رَحْبِ الوَجْهِ.”بَعْدَ الإِفْطَارِ، خَرَجُوا مَعًا إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى، حَيْثُ كَانَتِ الشَّوَارِعُ تَعُجُّ بِالمُصَلِّينَ. الفَوَانِيسُ تَتَأَرْجَحُ فِي الأَيْدِي الصَّغِيرَةِ، وَالتَّكْبِيرَاتُ تَمْلَأُ الأَجْوَاءَ. كَانَ صَوْتُ الأَذَانِ يَعْلُو فَوْقَ الأَرْضِ وَكَأَنَّهَا تُرَدِّدُ صَدَاهَا، فَشَعَرَ آدَمُ وَكَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ حَوْلَهُ يُسَبِّحُ فِي بَحْرٍ مِنَ النُّورِ.قَالَ جَدُّهُ وَهُوَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ:”مَسْجِدُنَا كَنَجْمٍ فِي السَّمَاءِ،يُحَاطُ بِالبَحْرِ فِي دُرِّهِ،يُهْنِئُ الَّذِينَ سَارُوا إِلَيْهِ،وَمِنْهُ يَصْدُرُ النُّورُ فِي أَرْضِهِ.”مَرُّوا فِي شَوَارِعِ القُدْسِ القَدِيمَةِ، حَيْثُ تَجَسَّدَتِ اللَّحَظَاتُ فِي أَرْوَعِ صُورَةٍ، وَحَيْثُ كَانَتِ المَسَاجِدُ وَالمَآذِنُ تَهْمِسُ بِالدُّعَاءِ، وَتَتَنَاغَمُ مَعَهَا أَصْوَاتُ الأَطْفَالِ وَهُمْ يَلْعَبُونَ قُرْبَ الفَوَانِيسِ.
فِي آخِرِ اللَّيْلِ، وَبَيْنَمَا كَانُوا فِي المَسْجِدِ، قَالَ آدَمُ بِحُبٍّ:”يا مسجدي، يا قبلةَ النورِ،أنتَ مرسومٌ في ذهني كالوعدِ،وفيكَ تنعشُ الروحُ وتُشرقُ الحياةُ،أنتَ منبعُ الأملِ في قلبِ كلِّ مسلمٍ.”النِّهَايَةُ.
𝓡𝓮𝓮𝓶𝓪☆